أيها المضربون عن الطعام:لن تفشل قضية يرافع فيها الملك

19 07 2017

 

أيها المضربون عن الطعام:لن تفشل قضية يرافع فيها الملك.

رمضان مصباح الادريسي

 

يا شباب الأسر:

لا أجد في ما أقرأ ،وما أسمع ،وما أرى – وطنيا ودوليا - اعتراضا على نضالكم من أجل الكرامة الريفية المستحقة تاريخيا،ودستوريا؛ثم بعد الكرامة،وأؤكد على هذه البعد،لا أجد أي اعتراض على ملفكم المطلبي ،الاقتصادي والاجتماعي،بكل تفاصيله المعروفة.

وأنتم تعلمون ،كما يعلم الجميع ،أن تهمة الانفصال التي جاهرت بها الأغلبية الحكومية- بكل تهافت و قصر نظر - سقطت سقوطا مدويا،وان ظلت كراسي أصحابها دافئة بمؤخراتهم.   ولا نعلم ما تحبل  به الأيام.

ولم يعد خافيا على الداخل والخارج أن ملك البلاد ،الضامن لاستقرارها وأمنها ،انضم الى حراك الريف ،دون مواربة ،حينما عبر رسميا ،وفي مجلس وزاري،عن غضبه وتذمره من تعطيل مشاريع “منارة المتوسط”.

ولا يخفى حضور نضالكم ،وعلى مدى شهور ،في هذا الغضب الذي غدا مؤسسيا،و سيكون  له ما بعده . ويتوقع المحللون والمتتبعون أن تصدر قرارات ملكية مزلزلة لمراكز ومصير كل المسؤولين الذين “تآمروا” على مشاريع الملك في الحسيمة؛كما حصل سابقا مع بعض اشتغالات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ،في كل ربوع الوطن؛خصوصا المناطق الكالحة فقرا وتهميشا.

ويتوقع كل من تضامن معكم في غضبكم ،المنتج للغضب الملكي والمواطني ،ألا ينحصر الأمر في استبدال مسؤول بآخر،والبث في نوازل الريف فقط ؛دون تقويم النهج السياسي  التدبيري الذي تُسير به البلاد،ما دامت العديد من الظواهر و المؤشرات تبرهن على فشله،وعدم كفاءته إلا في تعقيد المشاكل وتخصيبها.

ولا أقوى ظهورا،ضمن هذه الظواهر، من استفحال أمر الفساد العام ،المشترك بين الدولة والمواطنين،حتى غدا مواطنا يتمتع بكل حقوق المواطنة،ويعلي رايته؛أكثر من أي مواطنة ومواطن.  بل غدا مؤسسة عابرة لأغلب مؤسسات الدولة،لها مرتادوها وحماتها.

وما تعطل المشاريع الملكية ،ذات البعد التنموي،عبر الوطن،إلا دليل على قوة هذه المؤسسة المخربة لكل المؤسسات.

ونعلم جميعا وجود تباين ،وأحيانا تناقض بين التصريحات الحكومية الأخيرة ،بخصوص النزول الى الميدان ،وتأسيس الثقة بين المواطن والإدارة،والاشتغال أساسا على ورش العزة والكرامة ؛وما تمارسه القوة العمومية – مأمورة - من تنكيل لفظي ومادي لا يوقر أحدا ،ولو مسنا أو مسنة،ولو حقوقيا وطنيا ،ودوليا.

لكن ما عسانا نقول ؟ هل نناقض قولنا بالفساد العام ،ونحاكم القوة العمومية – فقط - على كونها قاسية تنكيلا،وقاسية لفظا ؟

وفي ماذا يفيدنا تسامحها وعطفها ،وحتى الورود توزعها،اذا كانت لوبيات الفساد تضرب الضربات البتراء، القاضية، التي لا تسيل دما.؟  تضرب أساسيات الدستور ،ومبادئ الديمقراطية،وكل الترسانة الحقوقية الوطنية والعالمية العالمية.

ان الذين نكلوا بمشاريع الحسيمة ،وقبلها المبادرة الوطنية للتنمية،قطعوا رؤوس المواطنين ،وهم يربتون عليها ،حنوا وعطفا ،كعطف التماسيح.

أمع كل هذا تضربون عن الطعام؟

وهل فعلها الخطابي ،وهو و ساكنة الريف قاب موتين ،اما بالرصاص أو الغازات السامة،حتى تفعلوها؟

وهل فعلها أب الوطنية المرحوم محمد الخامس- في منفاه - وهو بين عرش مسلوب ،ووطن مقهور،وأسرة ملكية ،ألقى  بها  المستعمر الى المجهول؟

هل فضحتم  التهميش و الفساد في الحسيمة ،بأجساد فتية وقوية ،وحناجر صادحة،أم بمعنويات منهارة ،ودبيب موت يسري في الفكر والعضل؟

هل ستنتصرون لقضايا الريف والوطن ،بالخروج من الكهف أم بالدخول اليه؟

هل كنتم تتوقعون دربا للنضال خال من الوقوف تحت الشمس ،ولا ظل ولا نسمة؟

ألم تقرؤوا “رجال في الشمس” للمرحوم غسان كنفاني؟

هل تعتقدون أن اهلاك الذات سيفيدكم ،في نضالكم ،وفي معركتكم القانونية ،من أجل براءة مستحقة.  براءة ستكون منارة في هذا الوطن ،كما البراءات التي استدعت الانصاف والمصالحة،كما تعلمون.

هل تفشل قضية ،المحامي الأول فيها هو ملك البلاد.  أي قاض سيدينكم والملك يشهد أنكم الشباب الملكي الحقيقي ،الذي كشف له المستور ،والمضمر في تصريحات المسؤولين ،وهم يطمئنونه على انطلاق الأشغال في الأوراش؟

 

عند الصباح يحمد القوم السرى:

أنتم الآن في جامعة “عكاشة” للتكوين السياسي،من أجل حسن تدبير الوطن كله ،وليس الريف فقط.

أنتم منتخبو الغد القريب ،وتنتظركم مسؤوليات جسام،اذا كنتم تقدرون فعلا حجم ما يتطلبه الريف من عمل مخلص ودؤوب.

لا عليكم ،فأجسادكم مصونة في المخيال الوطني،وأمهاتكم وأخواتكم  معززات مكرمات ؛مهما قال سجانوكم .

لا عليكم فأنتم اليوم أسرى ،كما القوة العمومية؛كلاكما اسير لدى الآخر.

وهل كره رجال الشرطة ،يوم نفير البحر،أن يخلعوا  عنهم الأثقال ،ويرتموا في البحر سابحين ،ككل المصطافين؟

هي نوازل ،من الحاضر والتاريخ ؛ومن المحال أن تحل بالمقاربة الأمنية القصيرة النفس.

الكل ينتظر المقاربة الناصحة والنجلاء.

الكل ينتظركم ،خارج أسوار السجون،لأنكم فعلا خارجها ،في قلوب أمهاتكم وآبائكم ،و عقولنا وأمانينا ،هنا وعبر العالم كله.

أوقفوا اضرابكم عن الطعام ،رجاء, لأنكم تصنعون به اضراب الوطن كله ؛وان جازت لكم القسوة على نفوسكم،فهل  تجوز لكم في حق المواطنين كلهم.

ثقوا ألا أحد يسعده هلاككم أكثر من الذين فضحتموهم ،وكشفتموهم ،واحدا واحدا.

فهل أنتم حرب علينا أم عليهم؟

لا أدري هل ستصلكم رسالتي هذه أم لا؛لكنها حتما ستدخل جغرافية التاريخ ،وتاريخه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



أسرى الريف..هل سيكون ديكارت مغربيا؟

4 07 2017

                           أسرى الريف..هل سيكون “ديكارت” مغربيا؟

                                رمضان مصباح الادريسي

 

ألغام تحت الطاولة:

 

لماذا لا يغضب الريف ،حيث تأكد رسميا ،وعلى أعلى مستوى في البلاد،وفي مجلس وزاري ،بأن المشاريع الملكية ،ذات العنوان الواعد بمشاريع أخرى في المستقبل  - الحسيمة منارة المتوسط –تعرضت لقرصنة رسمية  من نوع غريب وجسور؛وفي منتهى الخطورة،اعتبارا لسمو مكانة الجهة المتضررة؛واعتبارا لوأدها(القرصنة) ، في المهد،لطموح ملكي ودولتي يشتعل للحسيمة وللريف  ،وللوطن طُرا،لكن ببعد متوسطي ،لا يمكن أن يتحقق إلا عبر مراحل عدة ،واستثمارات ضخمة؛ شريطة تكاتف كل الارادات الموقعة على مخططات المشروع،وتفعيل كل جينات الاخلاص والنزاهة،المطلوبين في كل الأداء الحكومي،ومن باب أولى حينما تكون الضمانة ملكية.

لماذا لا يغضب الريف و ألغام الغدر بالمشروع الملكي ما انفكت تنفجر،و تشنف أسماعه ،منذ غادر جلالة الملك قاعة التوقيعات ،بتطوان،مطمئنا الى اخلاص وكفاءة ونزاهة الفريق الحكومي المكلف بالتنزيل.

شباب ملكي في السجون:

بعد قرصنة مشاريع الملك ،ومستقبل الحسيمة،أو المحمدية الجديدة،منارة لكل الدول المحيطة بالمتوسط،وغيرها ،تمت قرصنة الغضب الريفي – أو الحراك- الذي فضح القراصنة ،وبرهن على أن شباب الريف  - في هذه – هم  الشباب الملكي الحقيقي ،الذي لم يجنده أحد ليتلعثم  بكلام وبشعارات لا يفهمها.

احتد الغضب الريفي وهو يرى البَكم والعمى أصابا كل الأحزاب والنقابات ؛ومن لا يغضب هنا لا وطنية له:  قطار المشاريع لم ينطلق بعد،رغم تواجد الركاب بالمحطة،منذ2015.

بدل حضور الكفاءات الهندسية ،والتئام الأوراش ؛حضر القراصنة وفي ركابهم سياسيون ،بكل أسلحتهم الثقيلة لتدمير الحسيمة ،والسير فوق جماجم الريفيين صوب البرلمان .

حق للزفزافي أن يُزري بالأحزاب ،وهو يراها لا غيرة لها ،ليس على الحسيمة فقط،بل على بيضة الملك ،ونخوة المغاربة ؛وهما يسامان الاعراض والازدراء.

حق ل”سيليا” أن تصرخ  بها صريحة نجلاء:  “عاش الشعب” ؛وكيف يغيب عنا أن المواطنين ،بدون أحزاب،  شعب لا ملك له غير الملك.

عاش الشعب ،لم تلعلع إلا لتستنهض همم شباب الريف للدفاع عن مشاريع الملك ،وكل مستقبل الحسيمة والريف.

عاش الشعب؛وهل تتقوى روابطه ،وتشتعل جذوته،اذ تمكن القراصنة من الملك في الحسيمة،لينتقلوا بعدها الى سائر الوطن ،وكل تفاصيل البناء؟

“صاحب الجلالة الشعب”  وهل بقي من يُجِل الريفيون في الحسيمة ؛وقد أطبقت عليهم الذئاب السياسية ، والغربان والثعالب ؛عقابا لهم على صلح ملكي تاريخي ،جاد به الزمان بعد طول انتظار؟

لماذا لا نرى في سيليا غير الانفصالية المتهورة؛ولا نرى فيها “جاندارك” الريف التي هبت للدفاع عن مشاريع بناء الوطن كله،وهي تراها مقرصنة وملغمة؟

أنعم بهم من شباب ،حقت لهم المرابطة على الثغر ،كما رابط أسلافهم ؛ولم يفكروا في الانفصال حتى حينما انفصل ،فعلا،تاريخهم عن تاريخ الوطن؛زمن معاناة السلاطين من الضعف والقهر ،كما الشعب المغربي كله.

ليترك هؤلاء السجن للقراصنة:

لقد حلت “الحَرْكة”  السلطانية بالحسيمة ،وفي ركابها المحققات والمحققون الملكيون ،الذين سيفتحون ملفات لكبار القراصنة ،بعد أن أخطأت النيابة العامة الطريق ،فألقت القبض على الشباب الملكي؛لتكتمل آخر فصول القرصنة ،وينجوا القراصنة بمليارات الدراهم ؛ ولا يهم بعدها أن تسيل الدماء في الريف ،وتُجرجر النساء .

لِيخرجْ الشباب الأسير ،والمضرب عن الطعام حزنا وكمدا،لنحتفل جميعا بصيف الحسيمة الخلاب.

ولنحتفل باستعادة الملكية لزمام الأمر ؛وللمبتدأ والخبر ،في ما يتعلق بهذه المنارة التي ننتظر جميعا تألقها في زرقة المتوسط الشاسعة.

لا يهم ألا يستعطفوا ؛بل لقنونا درسا مهما :ألا نستعطف أحدا حينما نكون مظلوميين،لأن الله معنا؛وألا نضعف ونحن نواجه القراصنة ،الهاربين بالسفينة الى مجاهل بحر مضطرب.

مدرسة الريف:

هي مدرسة في الوطنية؛لكن بالمفهوم الحداثي للكلمة،الذي يلغي المخزن العتيق-  وقد رأيناه أخيرا وهو يغوص بقدميه في البحر ،مطاردا فتية الحسيمة المراهقين ،والضاحكين،في البحر - ولا يقر بالولاء إلا لدولة المؤسسات ،وللاختيار الديمقراطي ،الذي يحقق العدالة الاجتماعية ،والمساواة في الحقوق والواجبات، والتوزيع العادل للثروة – وللتاريخ أيضا - بين جميع جهات المملكة.

لم يحدث ،في المغرب المستقل،أن انتفضت جهة كاملة ،لتؤكد على وطنيتها ؛ردا على زلة حكومية، من درجة فضيحة،تتهمها فيها بالرغبة في الانفصال.

وهي مدرسة وطنية حداثية،تمكنت من استقطاب كل الدياسبورا الريفية ،بدون مؤسسات ولا سفارات.   وهنا أيضا حازت قصب السبق لأنها أتت بأمر جليل غير مسبوق.

وهي مدرسة في الانتصار للملكية ،حينما تراها منصفة ،ومهددة في مشاريعها التنموية للوطن.

وهي مدرسة في استنهاض همم الأحزاب ،لأن الديمقراطية لا تقوم بدونها ؛لكن ليس كما اتفق؛بل من خلال البرهنة ميدانيا على جدارتها وإخلاصها.

ان الوطن كله لا يريد الدكاكين السياسية،وليس الريف فقط.

وهي مدرسة في تدريب الشعب  المغربي ،على حراسة وتتبع كل المشاريع التي تنجز من المال العام ؛سواء كانت ملكية او حكومية.

حتى الملكية تضررت من انهيار الأحزاب في الريف ؛اذ وجدت نفسها ،وحدها فقط،محط أنظار الوطن والعالم ،وكأننا صرفنا ستين سنة في غير بناء دولة المؤسسات.

لولا فتية الريف لما تحقق هذا المكسب الديمقراطي اللامادي المهم.

ان ما حصل من تجاوزات ،الى حد الساعة ،من هنا وهناك، لا يفسد للود قضية.

لم يبق ،اذ رسَّم الملك الغضب ،وشرعن الحراك،وأدان التعذيب ،إلا اطلاق سراح جميع معتقلي الريف الحراكيين.

وألا فسيهدر دم المنطق الانساني كله.

ولا فان “ديكارت” لن يكون مغربيا أبدا.

Sidizekri.blogvie.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



هل سيتم نفي الزفزافي الى جزيرة “لاريينيون”؟

25 06 2017

            هل سيتم نفي الزفزافي الى جزيرة “لاريينيون”؟

                                رمضان مصباح الإدريسي

 

 

اشراقات سريالية تستدعي أخريات:

لماذا لا أطرح هذا السؤال وأنا إزاء لوحة سريالية ريفية – جماعية- آخذة في الانغلاق والإلغاز ،يوما بعد يوم؛بدءا من اللمسات الأولى لريشة الجبروت والفساد؛التي جعلت يوما عاديا من أيام الحسيمة ، يبتدئ سمكا  وينتهي دما،في شاحنة أزبال.

يومها كان على الحكومة أن تغضب أكثر من كل المواطنين،ولا تقنع ،وهي تُجري المساطر القانونية، بغير الرؤوس الكبيرة التي أفسدت بر الحسية وبحرها ؛وصولا إلى مطاردة بعض السمك  الميت،الهارب في البر ،بدل حماية كل السمك  الحي في البحر.

لم تتجه بوصلة رئيس الحكومة وقتها – بنكيران – صوب الواقع الحسيمي الطافح غضبا؛بل نكصت صوب “فوبيا” التاريخ الريفي الشاكي السلاح ؛وصولا إلى منع العداليين من مشاركة المواطنين احتجاجاتهم.

 هكذا  فبدل استنهاض همة وزير الفلاحة و الصيد البحري، لينزل إلى الميدان لحل مشاكل البحر ،اختار رئيس الحكومة أن يجعل – ضمنيا - وزير الداخلية في حالة  استنفار،ليحاصر البر حتى لا يلد خَطابيا آخر،خصوصا والاستعمار الاسباني لا يزال حاضرا في بعض الريف. 

اشراقات سريالية تستدعي أخرى ،أكثر إلغازا:

رئيس الحكومة هذه المرة طبيب نفساني – مع الأسف حمال حطب أيضا - ولهذا سنراه ذات مساء  رباطي ، بمعية من حضر من الوزراء الأقوياء ، يسهب في تحليل نوايا الريفيين ؛وليس وحش الفساد الخرافي الذي التهم  حتى مشاريع الملك في الحسمية.

وكما في حكاية “الحيوانات المرضى بالطاعون” - حيث يتم التغاضي عن بطش الأسد والنمر،وقد أوديا بأرواح بشرية ..ليُتهم حمار هزيل بالتسبب في المرض ،لأنه “افترس” عشبا هشيما بأطراف الغابة-  قررت الأحزاب المشكلة للحكومة(أو الحكومة) أن أعناق الريفيين البسطاء انفصالية أبا عن جد؛وهكذا تنضاف كل الرؤوس ،وقد فصلت حكوميا عن الوطن، إلى رأس محسن فكري ،كما بدت في جوف الشاحنة.

من يرغب في انفصال الجبل ،حتى لا يحاسب السهل؟

 

لا يصح إلا في الفن السريالي الحكومي  أن تسيء أحوالك الحقوقية والاقتصادية ،وأنت متصل بالوطن ،منذ استوائه وطنا حديثا لشعب واحد ؛لتنهض ،باحثا عنها (الحقوق) في الانفصال.

ولا يصح إلا في سريالية الحكومة أن تُسَلِّم ساكنة جبال الريف ،وتضاريسها صعبة المراس، موحشة وجرداء، في خيرات السهول ،وعيون العسل،ونفائس المعادن،بالوطن.

من يرغب في انفصال الجبل ،حتى لا يحاسبَ السهلَ على نصيبه من خيراته؟

من يريد حرق الحسيمة ،على حد عبارة الياس العمري؟

من أين وهم الانفصال ،إن لم يكن من حكومة منفصلة عن الواقع؛موغلة في تقاليدها المخزنية العتيقة ،وهي تحارب شباب الفيسبوك ،والبث “اللايف”،في الداخل كما في الخارج.

وهل انتصرنا في معركة “ايسلي” ،بخيولنا في مواجهة  حداثة الآلة الاستعمارية الرهيبة،حتى ننتصر في معارك الحقوق ،بكل حواملها الرقمية الخارقة؟

وتأبى السريالية إلا فرض منطقها ،لإعادة تشكيل الوجود ،حسب رؤاها:

شباب ،زغب الحواصل،لا تتعدى مطالبهم الماء والشجر،والعلم والدواء.وقد سبق أن ذكرت أن أثرياء متوسطين، بعدد أصابع اليد، وحتى من الريف إياه،يمكنهم تغطية جميع المطالب؛إن عجز المال العام.

بدل اللون الأزرق ،لون الأمل والتأمل،اختار الأداء السريالي التصعيد ؛حتى وجدنا أنفسنا أمام كلفة سياسية باهظة، لمطالب متواضعة جدا.

نحن الآن أمام أغلى مستشفى في العالم،وأغلى جامعة ،وأغلى تهيئة حضرية ..لا أصعب من العملة/الكلفة السياسية.

كيف للعقل الأوروبي أن يفهم مطالبة كل الدياسبورا  الريفية ،المتواجدة بأوروبا ،بمجرد حقوق عادية،مستحقة منذ فجر الاستقلال ؛وهي لا تستدعي حتى الحراك الحسيمي فقط  ؛فكيف به وقد أصبح  هما دوليا ،وشغلا شاغلا لقنوات ومواقع عالمية؟    

مرة أخرى لا تتوسلوا الفهم ،خارج مغاليق السريالية.

أين الدولة؟

الحكومة تفشل وترحل ؛وقد فشلت ولم ترحل؛فهل نوثر سكينة الوزراء ودَعَتهم ،ونترك الحراك يتعفن ؛والله وحده يعلم أي مرض سيظهر فيه؟

لا وساطة لأحزاب لم يعد الحراك يثق فيها.ها قد فشلت فهل تحل نفسها؟ وإذا لم تحل نفسها ،فهل ستواصل الدولة الإنفاق عليها من المال العام ،رغم إخلالها حتى بواجبها  الدستوري؟

وإذا حلت نفسها ،جهويا؛فهل ستصمد لنفس  الاتهامات وطنيا؟

ألا ترون بأن الدولة المغربية تعيش ،اليوم، في الريف وغيره،حرجا غير مسبوق؟

هل انتهت البطارية،ولم يعد ممكنا للمحرك أن ينطلق؟

ها قد أبانت الدولة عن نموذج آخر غير الذي تستثمر فيه الآن ،دوليا.

انه “النموذج” المرتبك ،الذي يتموقع في خرائط المشكل ،وليس الحلول.

لقد تم احتقار الأحزاب وإضعافها ،ودفعها صوب الركود والتعفن ،وأقصى درجات الانتهازية ؛حتى وُجد من أدخل  كناش حالته المدنية ،كاملا إلى البرلمان (بالحنة والزواق) كما يقول اللسان الشعبي.

لقد هُمشت النخب المثقفة ،والفعاليات الحقوقية ،ونشطاء المجتمع المدني ،حتى استوى في أذهان العامة أنها حمالة الحطب،ولا تتوخى سوى اللهب والفتن.

لقد استُنهضت الدهماء لتدافع ميداني غريب؛توهمت نفسها فيه مدافعة عن الملكية ،في وجه المطالبين بالحقوق ،في الريف وغيره.

وهل تضرُّر الحسيميون أكثر من تضرر الملك؛إذ غيبت مشاريعه بالريف؟

وهل بلغت كل مطالب المواطنين  مبلغ ما يطالب به جلالة الملك في كل خطبه؟

ألا تأتي أكبر إدانة للفساد من الملك،في خطبه وتحركاته؟  وهل من معيار لقياس حجم الفساد ،وصلابة عضلاته،وتمدد أذرعه ،أصدق من معيار جرأته حتى على المشاريع الملكية.

لكن الدهماء لا تقرأ حتى تعرف كل هذا.

ومن أين بقيت الدهماء دهماء،لولا أن الفساد ولاد للفساد؟

أين الحل؟

لم يعد يطالِب بإطلاق سراح المعتقلين،والاستجابة الإقليمية للمطالب ،إلا من لم يفهم الحراك بعد.

طبعا هذا يفيد ويساعد ؛لكنه لا يستأصل الداء الذي سيلد أريافا أخرى ،وحراكات أخرى ،قد تقتحم حتى اللغة لتتسمى بأسماء أخرى،لا قدر الله؛وتستدعي ردود فعل أخرى غير ما حصل إلى حد الساعة.

إن سكينة الوطن أهم من سكينة الحكومة؛خصوصا حينما تكون فاشلة وباهتة.

ولا خير في حل لا يلامس كل أعماق المواطنين ،حيثما وجدوا.

المطلوب حركة وطنية جديدة ،انبعاث جديد؛تتحالف فيه الملكية مع كل الحراكات ،لقطع دابر الفساد ،والتخلص من ثقافة خدام الدولة ،الذين نكصوا وازوروا ،حينما تنادى المواطنون للوطن ،يحمونه من عوادي الداخل والخارج؛كما هو ديدن المغاربة منذ القدم.

لقد دمر الاستعماران الريف ،وتم نفي الخطابي ؛لكن من الدمار ولد نوع من الكبرياء الريفي،يصعب فهمه على غير العارفين بجذور وأغصان الشجرة.

فرجاء لا تفكروا ،لحل مشاكل الريف والوطن ،من داخل ثقافة المستعمر الضاربة.

وإياكم من إعادة إنتاج ظروف النفي إلى غياهب السجون ؛حينما لا توضع بيضة الوطن موضع انزلاق وكسر.

Sidizekri.blogvie.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



أمركة المال الخليجي خير من بدونته

17 06 2017

                أمركة المال الخليجي،خير من بدونته

                          رمضان مصباح الإدريسي

 

 

والمغيرات صبحا:

في أفلام “الكوبوي” التي كانت تصنع بهجتنا، ذات زمن جميل؛وهي الأفلام التي لا يتعب فيها فرس،ولا ينفذ فيها رصاص؛كما كنا نتندر،بل نتواطأ مع الممثلين على الكذب الممتع.

في هذه الأفلام يداهم زعيم العصابة المدينة ،ذات المنازل والمرافق الخشبية المتهالكة،وفي ركابه كائنات بشرية قذرة،تقدح عيونها غدرا وعربدة؛كائنات قُدَّت من الشر قدا.

يباغتها قادما من تخوم السطو والسفك ،في فلوات الغرب الأمريكي؛يعيث نهبا ،هناك حيث رزم الدولار،والأجساد البنكية الأنيقة ،في سوادها وبياضها؛و التي تلطف من بشاعة العربات المتلاشية،والحيوانات النافقة،في الشوارع المتربة ،التي هجرتها السابلة،هروبا بحياتها؛وما عادت تتحرك فيها غير بقايا السِّدر والحشائش تذروها الرياح.

ولتأكيد صولة الصعلكة  الأميركية، واندحار الأمن، واختفاء ” شيريف” متواطئ؛ تُشَنف الأسماع بوابل من الرصاص الطائش ؛تطلقه العصابة ،وهي في طريقها،راكبة بهجتها، صوب الحانة لتحتفل بالغنيمة،ولتشيع الرعب ،مختطفة الحسناوات من أحضان عشاق سكارى،لا غيرة لهم .   

تنتهي الغارة بعودة تدريجية للهدوء؛ما دام الشر قد غادر صوب الفلاة،صاخبا غير مبال ببنكي مرتعد ،يخبر رؤساءه بحجم النهب ؛  في انتظار غارة أخرى.

يلملم الحاناتي شظايا القنينات سيئة الحظ، وغير المدفوعة الثمن،ثم يعاود السكارى الظهور  من جديد،لتتواصل الحكاية ؛أو الحكايا التي كنا نخالها تافهة،وان ممتعة؛ونحن لا نعلم أنها كل ما  يشكل تاريخ أمة   ؛من المغامرين الأوروبيين  الذين أفنوا ملايين من الهنود الحمر ،وأبادوا مثلها من رؤوس الجاموس..

من يصرخ في وجه الأسد؟

اليوم وسع “الكوبوي”  مجال غاراتهم؛إذ لا هنود حمرا في العالم الجديد،إلا سكارى مخدرين ،مسلوبي الكبرياء،بعد أن أكلوا خيولهم ،وأهملوا مراقصة الأسلاف في القمم الشماء.  هناك حيث باغتتهم بدورهم العصابة البيضاء،ذات اكتساح أهوج لبراءة الشعوب الأصيلة.

لم تعد رزم الدولار في دواليب الأبناك النائية تكفي؛ولا الحانة البئيسة  تُمتع ،ولا الفلاة فلاة،ترخي سدولها على العصابة ،لتمارس إبداع الشر ،واكتساح الحواضر الجنينية؛حيث توهم الناس الدعة والسكينة .

لم يعد الإنسان الأشقر الذي اسمه “ترامب”،ذو الملامح المونغولية البلهاء- الممثل لإرادة القوة ، كما نظر لها نيتشه – يَقنع بثروته الفلكية،ولا بالثراء الذاتي لعالم جديد ،بز العالم  القديم في كل شيء:عسكريا،اقتصاديا،علميا،استكشافيا،طاقيا..

لقد أبدع الرئيس “السيبرمان” حملة انتخابية ،تهافتت على كل شيء:

الديمقراطية،قوة المؤسسة ،حقوق الأقليات،مكاسب الجمهوريين والديمقراطيين ، على السواء،الحق في الهجرة وحرية التنقل،دواوين الدبلوماسية،التي كانت تعرف كيف تحفظ ماء الوجه ، للمنبطحين ،من عرب وغيرهم.

لم يفت الرئيس ،في تهافته الانتخابي ،والرئاسي الحالي، غير التراجع عن تحرير العبيد،ليصفع “روزفلت” بدوره؛كما صفع “أوباما” في كل خدوده،مثنى وثلاث ورباع..

وحينما تنادى العالم ،بأثريائه وفقرائه،لخفض حرارة الأرض ؛مقدمة لثورة عالمية بيئية،تضع حدا لتآكل المجال ،وانقراض الأنواع،وغرق الجزر؛نبش الرئيس في تاريخ رعاة البقر بالغرب الأميركي ،ليباغت الكوكب كله، بإحدى غاراته الخرقاء ؛ كما كانت تتم بدون سبب مقنع؛لكن الضحية هذه المرة،ليس فقط القرية النائية،بل كل الأمن البيئي للعالم ،كما بشرت به “كوب 21″ و”كوب22″.

من يصرخ في وجه الأسد ،لينبهه إلى رائحة فمه الكريهة؟

وظائف،وظائف،وظائف:

حينما انبرى القضاء الأمريكي ،ليشعر الرئيس “الفتان” بأنه أقوى منه ،وأدرى منه في مجال الحقوق والحريات؛وحينما هب الناخب الأمريكي ،ليَبكي في الشوارع زلته الانتخابية ؛كما يبكي التوابون من الشيعة كربلاء؛ وحينما تصدى الأمن الفيدرالي للرئيس ،متهما تخابر طاقمه الانتخابي مع الروس ،لدحر “هيلاري كلينتون”؛  في ما يشبه حلف “فاوست” مع الشيطان ،في رائعة شكسبير؛  وحينما عجمت إيران عيدانها لتعرف كيف تسدد ،متوقعة تصرفا طائشا من رئيس متهور؛ حينما وحينما..

بادر حكام السعودية بذهب “ارم ذات العماد”   ؛لإسكات ” العاديات ضبحا والمغيرات قدحا”.   إشباع نهم رئيس ،خالطت ذرات الذهب جيناته وخلاياه ،حتى بدا ك” لانغو” ذهبي متحرك. 

الملايير ذوات العدد- 500 مليار دولار- مما تشيب له أجيال من الولدان ؛قدمت للرئيس ،كما يقدم للضيف صحن تمر.    وهل يرضى؟

هنيئا لكم كل هذا الكرم الذي تعجز لغتنا الثرية عن وصفه؛   كما تعجز السياسة العربية عن فهمه ؛خصوصا والرجل متهم في صدق  وطنيته ،ونزاهته ،ومقدراته الفكرية،وأدائه الرئاسي ؛وهو مغادر  مغادر،بدون شك ،قبل الأوان.

فليسعد الرئيس ،وليشتر صمت الشعب الأمريكي ،على زلاته، بالمال العربي السائب.

وهو “زي الرُّز”  على حد عبارة الرئيس المصري السيسي، الذي لم  يكن في وسعه إلا أن يتلمض؛إذ حضر المكرمة الخرافية.

نعم فخامة الرئيس هي وظائف ووظائف ووظائف،وقنينات “تشيفاس” ،وشقراوات وخيول ،وقمار ، ودالاس ومنهاتن ولانازا و تمثال الحرية،ومقابلات بيزبول ..وما شئت سيدي.

وهي بالتأكيد تمويلات لبحث علمي ،أنتم رواده ؛وبه قهرتم العالم ،وحق لكم جبل أحد ،وجبل شهلان ،من ذهب.

وهو مال سيذهب بعضه حتى الى المهاجرين العرب ؛الذين هجرهم بخل الصناديق العربية الطافحة ذهبا.

ولأول مرة اقتنعت بأن أمركة المال الخليجي ،خير من بدونته ؛التي لم تنتج غير الخراب.

وهل يتقدم من يخصص 0.2 من ناتجه الإجمالي السنوي للبحث العلمي.

وهل يرتقي فكر من يخصص للقراءة 4 دقائق في السنة؟

” تنتهي الغارة بعودة تدريجية للهدوء؛ما دام الشر قد غادر صوب الفلاة،صاخبا غير مبال ببنكي مرتعد ،يخبر رؤساءه بحجم النهب ؛  في انتظار غارة أخرى.”

وعلى حد عبارة عبد الباري عطوان:  لاعزاء للأغبياء..

Sidizekri.blogvie.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



من محمد الخامس الى محمد السادس

13 06 2017

                            من محمد الخامس إلى محمد السادس

                            رمضان مصباح الإدريسي

 

تقديم:

كن للناس بمثابة الأب الرؤوف، ترحم الكبير، وتحنو على الصغير، وتقضي الحاجات، وتعين على النائبات، وتدخل الفرح بالرعاية والعناية على القلوب…”

 

ما أكثر ما يؤثث المرحوم محمد الخامس ذكريات طفولتي؛حد تماهيه مع مكانة الجد والأب ؛ولعل هذا ديدن جيلي، الذي ما كاد يعي محيطه ،خارج حضن الأم الدافئ والمُحصِّن ؛حتى ألفى الوطن ،وقد تهاوت كواكبه ،وثار نقعُه ،وتوثبت  كل فرائصه، لمنازلة هذا الذي اعتدى على العرش المغربي؛بل على ملك ألْفي..

طبعت الجدة ” مريم نَزَّاير” مخيال الطفولة المبكرة،من كثرة دعائها ،في صلاتها،ل”سيدي محمد الخامس”-   أجليذ -  حتى وقر في ذهني أنه من العائلة،أو كبار القبيلة الراحلين.

ستعمر الجدة طويلا؛إلى أن تيسر لي، في مستهل التسعينيات من القرن الماضي ،اصطحابها إلى ضريح محمد الخامس ،لأول مرة في حياتها ؛لتقف على قبر هذا الذي لم تحِد أبدا عن الدعاء له.

  أقسم بالله ،في هذا الشهر الفضيل ،أنها حينما استوت في شرفة الزوار،بالضريح ،اندفعت صوب السياج الخشبي ،حتى خلتها ساقطة لا محالة؛ولم يكن لي إلا  أن أهدئ من روعها ،وهي لا تصدق أنها حيث هي.  أمام هذا الذي لم تخل صلواتها منه ،وهي الأمازيغية الأمية.

 كم في ذمة الملوك من ديون لشعوبهم..ديون الحب.

من جهة أخرى قدر لي ،أنا الطفل العابث مع أقرانه ،في مرابع “دوار أولاد بوريمة” بمستفركي؛  في انتظار آذان المغرب ،وبهجة الإفطار،ولو بغير صيام ؛أن أستمع إلى ابن خال لي ،وهو يردد ما بثه مذياع الجد القايد محمد؛ومن كان يملك المذياع وقتها غيره؟

شيء ما دفعني إلى العدو بسرعة صوب منزلنا القريب ،لأخبر الوالد بما استمعت إليه:

 لقد مات محمد الخامس.

رد الفعل لن أنساه أبدا ،لأن وجه الأب الذي رأيت لم أعرفه له أبدا.  ثم ولولت الجدة والوالدة ؛ وفي الخارج تلاحقت الأصوات والاستفسارات ؛وبدا الدوار كله وقد خرج لمطاردة الفاجعة ،أو الاستسلام لها.   وما تلا ذلك ،وعلى مدى أيام، لم يكن سوى اللطيف ،ولا شيء غير اللطيف.    كل الدوار تنادى للالتزام بالتحلق حول المذياع ،تحت شجرة البطم المعمرة:”اج نطرويت”.

خلت ،لبرهة ،عقب رد فعل الوالد،أنني تسببت في شيء ما ؛بل كدت أفر إذ تخيلت قبضة الوالد حينما تضرب.    وحينما نهض الكبار للمأساة ،تملك الصغار رعب وطني صعب الفهم..  كيف حتى الكبار يبكون؟

كم في ذمة الملوك من ديون لصغار الوطن مثلنا..

لماذا أستعيد كل هذا اليوم؟

بعد يقظتي الرمضانية اليوم ،ولا شيء في البال غير “النواهل الريفية”، كما تريفت ،وكما تمغربت ، وكما تدولت؛بدا لي – رغم كل ما كتبت في الموضوع – أن هناك شيئا يجب أن أتقاسمه مع جلالة الملك محمد السادس ، في هذه الظروف الوطنية  الحرجة  ؛وهذا الضيق الذي ألم بساكنة الريف،وبكل المواطنين ؛وهي لا ترى للنفق نهاية؛خصوصا والاعتقالات متواصلة ،لشباب لم “يتورطوا “في غير المطالبة بمرافق عمومية ؛كُلفتها في متناول ،ليس الدولة فقط ،بل حتى أصغر الثروات الخاصة؛لو تنادى أثرياؤنا يوما للبذل ،بدل الجمع فقط.

بدا لي أن أتقاسم مع جلالته متعة إعادة قراءة وصية المرحوم محمد الخامس، لابنه المرحوم الحسن الثاني.

بعد التأمل  في مضامينها ،وما بين سطورها ،ألفيتها وصية من بطل الاستقلال ،ورمز الوطنية المثلى،والمُلك المحبوب؛   تتجاوز خصوص السبب،وأسباب النزول، إلى عموم اللفظ – كما يعبر الأصوليون -  الذي يخاطب الحفيد أيضا ،وولي عهده ،وكل من سيتلاحق من أصلابهما.

كل ما فعلت أنني استبدلت مناداة الابن ،بمناداة الحفيد؛ ومعذرة للمرحومين محمد الخامس والحسن الثاني،على هذا التصرف ؛وان كنت لا أرى لروحيهما إلا السعادة بالمساهمة – ولو البعدية - في رفع الحرج عن وطن لا يمكن لأحد أن يعبث ،أو يسهو عن خدمته ،وإرساء استقراره ،شامخا في وجه الأعاصير المحيطة.

فيا جلالة الملك ؛هاهو جدك يخاطبك:

 

يا حفيدي:

أوصيك بالمغرب، بلدك الكريم، ووطنك العظيم… فحافظ على استقلاله، ودافع عن وحدته الجغرافية والتاريخية… وإذا دهمته الأخطار، وتهددته الأعداء، فكن أول المدافعين، وسر في طليعة المناضلين، كما أريتني يوم تعرضت معي للبلاء، فبدوت بطلا كامل الرجولة، شهما، تام المروءة… وارجع بين الفينة والأخرى إلى التاريخ يحدثك عن همم أجدادك، وعزائم أسلافك، وكيف أخلصوا النية لله في حماية هذا الوطن وحياطته من الأهوال والأخطار: فجندوا الجنود وأعدوا العدد لاسترجاع مراسيه، وتحصين ثغوره، ودرء الطامعين، وصد المغيرين.

وكن، يا بني، ديمقراطي الطبع، شعبي الميول والنزعات. فأنت تعلم أن أسلافك الأكرمين ما وصلوا إلى الملك قهرا، ولا اقتعدوا العرش قسرا، وإنما كان تقدمهم إلى السلطان ضرورة دعت إليها مصلحة الوطن العليا… فاحرص يا ولدي على تتميم رسالة أسلافك… وكن من الشعب وإلى الشعب… وآثره على قرابتك الوشيجة، وبطانتك المقربة، فإنه أسرتك الكبرى، وعشيرتك العظمى.

وتذكر أن جدك الحسن الأول كان عرشه على ظهر فرسه لكثرة تنقله في البلاد، ومشيه في مناكبها، متفقدا للرعية، سامعا للشكا، مستأصلا لجراثم البغي والفساد…

فكن للناس بمثابة الأب الرؤوف، ترحم الكبير، وتحنو على الصغير، وتقضي الحاجات، وتعين على النائبات، وتدخل الفرح بالرعاية والعناية على القلوب…

وأوصيك على الخصوص بأسرتك القريبة، وبطانتك الوشيجة، من إخوان، وأخوات، وأمهات، وكل من يلابسنا في حياتنا الداخلية. ويقاسمنا معيشتنا البيتية الخاصة: فهؤلاء، كن منهم بمنزلتي منهم، تجبر خواطرهم، وتدخل السرور على قلوبهم، وتجعل عزك عزهم، وسناءك سناءهم.

ولا تنس، يا ولدي، أن المغرب من بلاد الإسلام، وأنك واحد من المسلمين… فاحرص، يا بني، على تثبيت دعائم هذه الأخوة، وتقوية أواصرها. وكن والمسلمين كالبنيان يشد بعضه بعضا. وكن شديد الاهتمام بقضاياهم تنصرها في المحافل الدولية، وتدافع عنها في المجامع الأممية.

واعمل على أن تجعل من المغرب، بحكم موقعه الجغرافي، صلة وصل بين الشرق والغرب، وأداة ربط بين الحضارتين: العربية والأوروبية.”

                                                        محمد الخامس

Sidizekri.blogvie.com

 



أتقرأ هذا يارمضان،وأ،ت في هذه السن؟

10 06 2017

                                أتقرأ هذا يا رمضان،وأنت في هذه السن؟

 

                                              -منصور حلحال،أستاذ أجيال قضى -

 

                                           رمضان مصباح الإدريسي

 

كيف جمعنا “لينين”؟

 

أذكرني طفلا يافعا،في مستهل ستينيات القرن الماضي.أذكر تواجدي بخزانة الشريف الإدريسي بوجدة،الملحقة بمعهد التعليم الأصيل؛حيث كنت أتابع دراستي الأصيلة التي ألجأتني إليها الضرورة القاهرة،وقلة الناصح لأب شبه أمي قادم لتوه من البادية.بدا له أن إخراجي،وأخ لي ، من التعليم العصري المفرنس،جهاد آخر يواجه به فلول فرنسا.

لم يكن مساعد قيم الخزانة –  الوطني عبد الله الزجلي – غير المرحوم الحاج عمرو (السي عمرو وقتها)؛ وقد كان يحرص على تشجيع  تلاميذ القبيلة على التردد على الخزانة للمطالعة.

كم كانت خزانة رائعة ،ثرية المحتوى،بديعة التنظيم ؛بطاولة مطالعة من أكبر ما عرفت في حياتي.  ومن أهم ما يلفت انتباهك وأنت تلجها ،الصمت الرائع المخيم فيها؛رغم كثرة الداخل والخارج.

 و من المفارقات أن تكون هذه الخزانة موروثة عن الإدارة الاستعمارية.

أقول هذا وأنا أستعيد الوضع البئيس الذي آلت إليه ،في ما بعد.ولا علم لي بمآلها اليوم.

أذكرني خارجا من بابها الواسع،وبيدي كتاب لينين:”الرأسمالية أساس الاستعمار” نعم في هذه السن المبكرة دفعني فضولي إلى استعارة هذا الكتاب ،دون علم لا بالشيوعية ولا بالرأسمالية.

 كان الدافع إلى هذا الاختيار كلمة الإهداء التي صدر بها لنين كتابه :أهداه لابنه الذي قضى في الحرب . خلت أن الأمر يتعلق بقصة موت الفتى.

وكم هي الكتب التي أتيت على قراءتها ،في سن مبكرة؛ولم يتح لي فهمها إلا بعد أن كبرت ونضجت.

من حسن الحظ ،أو من سوئه،لم يكن الداخل من نفس الباب لحظة خروجي ،متأبطا لينين،غير المرحوم منصور حلحال ؛وقد كان وقتها طالبا بالسنة الثالثة إعدادي ،ويكبرني بسنين عديدة.

استوقفني ،أو استوقفه العنوان الذي أحمل ؛وبعد تفحص واستغراب سألني:

أتقرأ هذا يا رمضان وأنت في هذه السن. لم أجبه بما يشفي غليله لأنني لم أكن أعلم ماذا يوجد بين يدي.كل ما يهمني هو أن ألتهمه ،ما بين المنزل بحي لازاري، وساقية “جنان لكيس “،بطريق سيدي يحي..

انتهى “الباراج” المعرفي بأن طلب مني المرحوم إعادة ما بيدي للخزانة ،واستعارة كتاب آخر في مستواي.

امتثلت طبعا،لأننا تربينا على احترام رأي الكبير..

بعد هذا ، بأزيد من أربعين عاما سألتقي بمنصور حلحال مهنيا ،وفي ظروف بدت لي مُحرجة لي . طبعا لقاءات الصداقة والقرابة لا حصر لها ،ولم تكرس غير التقدير الكبير للمرحوم ؛لأنه كان معروفا برزانته الكبيرة ،وبمستواه المعرفي الجيد ،وإخلاصه في أداء رسالته التربوية.

كيف تم لقائي المهني به؟

يعرف معارفي أنني أمضيت بأكاديمة القنيطرة أزيد من عشر سنوات ممارسا التفتيش والتنسيق.هذا بعد سنين عديدة من الأستاذية بمدن أخرى بالغرب المغربي.

لما ضجرت من العمل الإداري التنسيقي بدا لي أن الحل هو عودتي إلى العمل بالمقاطعة لأمارس عشقي الكبير للعمل التعليمي الميداني.

ذات صباح من صباحات أكتوبر 2002 أو 2003؛وأنا بمنزلي بمستفركي ،وبين يدي جداول حصص الأساتذة ؛أفحصها وأوقعها؛أثار انتباهي وجود الأستاذ حلحال منصور؛ليس كما اعترض طريقي ،وأنا خارج من الخزانة ،ذات طفولة؛وإنما من خلال جداول حصصه ؛التي تغطي عمله التعليمي بثانوية عمر بن عبد العزيز..

كيف الأستاذ الكبير حلحال منصور ضمن مقاطعة التفتيش الموكولة لي؟

كم يمضي بنا الزمن مسرعا ،وكم يصنع من مفارقات؟

 جمعنا لنين ذات طفولة ؛وهاهي التربية الإسلامية تجمعنا من جديد.تجمع بين الأستاذ والمفتش.  لكن الأستاذ هنا هو حلحال منصور؛وهل يحتاج الرجل إلى مفتش؟ وهل يحتاج إلى مفتش ،سبق أن “حماه” من الشيوعية،وهو طفل؟

اتخذت القرار الذي لم أحد عنه أبدا ؛رغم التقائي بحلحال في الندوات التربوية،ورفعه الحرج عني بمطالبتي بزيارته في القسم.

طمأنته بألا ينتظر مني أبدا أن أزوره في القسم ،زيارة تفتيش؛خصوصا وتنقيطه السابق في غاية الامتياز.

نلتقي حول كأس شاي خارج المؤسسة ،نعم؛كمفتش وأستاذ أبدا.

آخر كلامي معه رحمه الله ،تم منذ أزيد من سنة ؛إذ اتصل بي هاتفيا ،ليطمئن على صحتي،بعد أن أجريت عملية جراحية.

 

وجمعنا علال الفاسي:

 

الذكرى الأخرى التي لن أنساها ،اعتبارا لسياقها الوطني ، حصلت أثناء زيارة قام بها المرحوم علال الفاسي إلى وجدة في مستهل ستينيات القرن الماضي.

تنادى الاستقلاليون ،وكنت من أطفال شبيبتهم- بتحريض من الوالد- إلى سينما النصر لملاقاة الزعيم ،في حشد استقلالي كبير.

تصدى الاستقلالي العتيد - يومها - حلحال منصور للدفاع عنا ،نحن صغار الحزب ،في وجه من أراد – من المنظمين - حرماننا من الجلوس على المقاعد.أتذكر أنه خاطب أحدهم معاتبا: كيف تحرمهم من الجلوس؟هؤلاء هم مستقبل الحزب.  لم أكن وقتها لأفهم حتى معنى الحزب؛ومعنى أن أكون مستقبله.

مع هذه الذكرى يتراءى لي الآن الوجه الفضي لعلال الفاسي وهو يخطب في الناس بطريقته  المتميزة.

تستعيد الذاكرة، من كل ما ذكره الزعيم وقتها، حديثا عن توزيع الشعير على فلاحي الأحواز؛وتصفيقات الحضور ،سعادة بالخبر.

رحمك الله يا حلحال منصور؛واعذرني إن لم أجد المقام مناسبا لأعرض على أعزائي القراء لوحاتك  الفلكلورية الرائعة المشهورة،وصوتك الجهوري ،وأنت تقيم للحيدوس الزكراوي محافل ما أروعها ؛وما أروع أن تكون مرتبطة بشبابنا الوجدي الزكراوي.

Sidizekri.blogvie.com



في الريف:هل هي نوازل فقط ؛أم نواهل؟

6 06 2017

                  في الريف: هل هي نوازل فقط، أم نواهل؟

                               رمضان مصباح الإدريسي

 

 

من أين جينات هذا القائد؟

لاجدال في كون الحراك الحالي بالريف عبارة عن مخرجات صيرورة تاريخية، انثروبولوجية، ضاربة في القدم؛وهذا لا يتعارض مع كونها بتاريخ حديث – هو ما يهمنا هنا -  لا يتجاوز  كثيرا القرن من الزمان.

 تاريخ  قريب منا ،تتحدد فيه بوضوح دينامية  سياسية- صدامية غاليا - تُخرجنا من القرون “المظلمة” للريف- حسب توصيف المؤرخ الفرنسي “غوتييه” ،في معرض تحليله ل”ماضي إفريقيا الشمالية” -  إلى مقدمات انبناء الدولة المغربية الحديثة ؛التي أفسدها(المقدمات) توزعها بين استعمارين كولونياليين،متفاوتين  حضارة وأهدافا.  استعماران أجهضا الدولة  المغربية الوطنية الأصيلة ،وهي جنين بين حضني ملكين من عيار محمد الرابع والحسن الأول:(للتوسع يراجع كتاب “مظاهر يقظة المغرب الحديث” للمرحوم محمد ألمنوني).

وعليه فما دام هذا هكذا،بخصوص الريف؛ بِما هو نَمِر عَصِي  عن الترويض،كما ساكنة الجبال دائما، حيثما تواجدت في العالم – لخصوصيات لازمته قرونا ،فرضها التاريخ والجغرافية معا- يُصبح الحديث عن “نوازل” ،وهو مصطلح مُضطرد في الفقه، بدون معنى ؛لأن النازلة تتضمن معنى الحدث المباغت،المقطوع ،غالبا،عن أي سياق سابق.

النازلة بهذا المعنى تستدعي الحل المستعجل ،قبل النظر في حفرياتها و سياقاتها( اندلاع الحريق مثلا) والنوازل الفقهية تستدعي الفتوى الشرعية الآنية ،التي تحل الإشكال باستنطاق المظهر أكثر من المخبر. 

ورغم هذا سأسعى لأقنع بأن لمصطلح النوازل ،هنا ،معنى  واشتغالا سياسيا؛ تشكل من خلال كيفية تعامل الدولة مع الريف؛منذ السلطان مولاي يوسف ،الذي لم ير في انتفاضته ضد الاستعمار الاسباني – قبل الأوان ،ربما - غير مسعى انفصالي يهدد عرشه،ووحدة الوطن؛وهذا لا يورط  ، طبعا ،العرش المغربي في تفضيل الاستعمار،والركون إلى حمايته المُذلة  ؛بل كان يريدها ثورة ملك وشعب كامل،تتوفر لها  كل عناصر النضج والقوة.

هذا ما سيَتحقق لاحقا مع المرحوم محمد الخامس،في الظروف التي يعرف الجميع.

من المفيد هنا – استدعاء للتفسير بالمماثل- أن استعرض حالة القائد الحاج عبد القادر الزكراوي (أحواز وجدة) وهو من القياد القلائل الذين رفضوا مساعي  التهامي لكلاوي الخسيسة لخلع السلطان محمد الخامس.

هذا القائد كان حاضرا ضمن وفد من أعيان الجهة الشرقية ؛استقبله السلطان الشاب محمد بن يوسف بالديوان  الملكي ،واستمع إلى تظلمه من تغلغل الاستعمار الفرنسي في الجهة،و إلى  مطالبته بضرورة التصدي له،بتمكين القبائل من السلاح. 

تحكي الرواية الشفوية أن السلطان،وفي ختام جلسة الإصغاء، طمأن الوفد ودعا القياد إلى عدم التهور المهلك للشعب،و  التريث  ،في انتظار أوضاع أخرى ستنضج على مهل.

ماذا سيفعل القائد عبد القادر ، هذا الأشقر القادم من جبال الزكارة ؛ راكبا أنَفَته وغليانه،ويده على الزناد ؟

انتصب  واقفا  بخفة وتَوَثُّب،وبعد أن سوى سِلهامه على كتفه ،بعصبية ظاهرة،صاح  في وجه الأعيان:     ” أنا بَعْدا نْموت راجل”.

غرق المجلس في صمت رهيب ،لم يقطعه غير نشيج خافت للسلطان الشاب؛معبرا ،ربما،عن تأثره البليغ ،بكل هذه الوطنية الطافحة، المقهورة،التي لا يستطيع الذود عنها.

(في غمرة الفرحة بالاستقلال سيلتقي المنفيان – السلطان والقائد –وسيكون الجزاء تنصيب القائد على كل قبائل أحواز وجدة الجنوبية،بعد أن حرمته فرنسا من قيادة قبيلته،ونفته، لسنين عديدة، إلى الجديدة ثم مراكش.)

لعل شرارة ثورة   محمد بن عبد الكريم الخطابي، لا تخرج عن مثل هذه اللحظة الوطنية  العميقة الدلالة ،حيث يتغلب الحماس الغاضب للمواطنين على الضعف الاضطراري  القاهر، للعرش والدولة ،إزاء الآلة الاستعمارية الرهيبة.

الفارق هنا أن الخطابي ،خلافا للقائد عبد القادر،تأتى له استنهاض القبائل،و فَكُّ رباط الخيل، لدحر مستعمر ،وقف السلطان ،دونه،عاجزا.

لا خلع للبيعة هنا ،ولا تفتيت لوحدة الوطن؛بل المبادرة بثورة كان يراها ضرورية؛على غرار مقاومين آخرين ،لم يُنصبهم أحد في جبالهم وقبائلهم،عدا غيرتهم على الوطن.

لو كان الريف انفصاليا لناصر “الروكي” بوحمارة؛إذ أنحاش إليه ؛ ولو لِيُسقطه في ما بعد.

ومما له دلالة هنا ،هو كون أغلب هزيمة الروكي تمت على يد الريفيين ؛وصولا إلى اعتقاله في الريف الغربي ؛بعد اندحاره وتفرق قواته شذر مذر.

( اعتقل وهو في طريقه إلى الاحتماء بضريح مولاي عبد السلام بن مشيش،آملا التفاوض.)

لا تزال الدولة ’إلى اليوم ،تتعامل مع “حراكات” الريف  ،على مدى قرن من الزمان على أنها مجرد نوازل ،تظهر وتختفي ؛ ولا تستدعي غير المقاربة الأمنية ؛يُصَرِّفها رجال الأمن والسلطة على هواهم؛نزولا أحيانا إلى الحضيض اللفظي ،الذي لا يجوز حتى في حق اللصوص والمجرمين؛لأن القانون لا يتضمن الشتم والسب ؛ومن باب أولى معجم ما تحت الحزام ،والدرجة الصفر لحرمة الأفراد والأسر؛ على غرار ما تجشأ به قائد بني بوفراح ،الذي لا يمكن أن تكون جيناته من عيار جينات القائد عبد القادر الزكراوي، وعمه القائد بلعيد – دفين فرنسا ،حيث مات أسيرا - ومن هم أشهر منهما مقاومة  مثل  :

أحمد الهيبة، موحى وحمو الزياني ، عسو ا وبسلام ،وغيرهم.  رحم الله كل هذه القمم القبلية ،التي أعطت للمواطنة معناها الفطري الميداني.

الفتوى الأمنية قطيعة مع التاريخ:

على ألا تسارع القراءة الى استنتاج عدم ذكر فضل الأمن لأهله. لا الأمن حاضر ،ومطلوب في الريف ،اليوم،أكثر من أي مكان آخر.  الخطأ كل الخطأ في تحميل رجاله أكثر مما يحتملون؛وجعلهم في مواجهة مع نوازل الحجارة ، والتاريخ معا ؛ في الوقت الذي يختبئ فيه الأكاديميون والمثقفون،ورجال الدولة ،والسياسيون ، منتظرين من خِيام أمنية ،نصبت على عجل ،أن تحل إشكالات الريف التاريخية ،النفسية،الثقافية،والاقتصادية.

بدل التداعي والتنادي للفهم العميق  والحوار ,وتفاصيل المصالحة التي تَجُب ما قبلها من سوء فهم عَمَّر تاريخُه الحديث ،فقط،أكثر من قرن؛ ألبست الحكومة العثمانية المختبئة ،المتلعثمة ،والمترددة  - كبيرها طبيب نفساني يا للمفارقة – رجال الأمن أحذيتهم الثقيلة،وخوذاتهم الخانقة،وطلبت منهم ارتجال المواجهة مع الإرث السيكولوجي الثقيل للريف ،الضارب في التاريخ.   هذا حال من يفتي في الفقر بقتل الفقراء.

من هنا العنف اللفظي لرجال الأمن ؛وهم بدورهم بأُسر وأخوات وبنات وأمهات ؛يحرصون ،كما المغاربة جميعا،على صيانة كرامتهن وأعراضهن.

إنهم يعانون من شحن مزدوج :  مفارقة الأسر في الشهر الفضيل الجَمَّاع؛ ومواجهة تاريخ من القهر  ،وواقع حراكي تظلمي ،ليس من اختصاصهم ،و لابمقدرتهم ،فهمه.

نعم سيضرِبون ويضرِبون ،وسيشجون رؤوس الزعماء؛لكنهم لا يستطيعون لهامات التاريخ ،وقمم الريف الشماء،قطعا.

لا حرب لمن لا قضية عادلة له؛ولا اقتناع لمن نطلب منه أن يضرب ،وهو لا يفهم السبب؛وهو لا يرى أمامه سوى أشباه أبنائه وبناته وإخوته. ثم يصيخ السمع فلا يسمع غير مرادفات لتظلماته،هو بدوره.

أينكم يا خدام الدولة؟

اليوم يومكم ،ومِحكُّكم ، لتبرهنوا على كونكم فعلا خداما للدولة . قضايا الدولة استراتيجية وسامية ،تقتضي الفهم العميق والحصيف ،وليس استنفار صدور الخيل فقط.

أرى اليوم حتى خدام الدولة من الريفيين  أنفسهم،يتأبطون خوفهم وترقبهم ،وكأنهم العذراى إذ تُرهبهن أحمالهن ،غير الشرعية، وهن يرينها تطيل أعناقها،فضحا ،يوما بعد يوم.

أين فروسية الانتخابات؟   لماذا لم تدفعوا عنكم حتى تهمة “دكننة” السياسة في الريف؟

لا أتشفى في أحد من هؤلاء الذين أزفت ساعتهم ،لثبوت خيانة الملكية في حقهم؛ولو بتعطيل مشاريع الملك فقط؛ لكن يؤلمني ألا تنزل عصا الأمن إلا على رؤوس مواطنين ؛لم يحتجوا   - كما الملك -  إلا على الفساد.

ويتعمق ألمي حينما تُستنفر قوات الأمن ،حيثما يعلو الصراخ في وجه الفساد؛ دون استنفار الدولة لعنفها ،ليحارب الفساد وهو يقع نهارا جهارا.

كما يُفحص القلب وهو ينبض،يجب محاربة الفساد ،وهو يُفسد؛وحتى قبل أن يفسد.

أيها المثقفون ،السياسيون،رجال الدولة المخلصون،استعيدوا الريف من رجال الأمن ،وسرحوهم لمعانقة أسرهم؛ارحلوا الى هناك ،وجالسوا الشباب على الأرصفة،واسمعوا منهم ،وحاولوا معالجتهم بجرعات من تاريخهم؛وليس قتلهم بقتل تاريخهم.

أيتها المثقفات ،الأكاديميات،السياسيات ،الوزيرات؛أينكن من هذه المفاجآت الريفية النسائية،التي تبهر العالم اليوم ،وليس الوطن فقط؟

هل طرقتن أبواب الأسر ،ولم ترحب بكن الريفيات ؟  هل تقدرن مكانة المرأة الريفية في أسرتها ؟ أقسم أنهن يمتلكن خيوط نصف الحراك ؛وليس للذكر عندهن مثل حظ الأنثيين.

لكنكن مخمليات،رافلات في الحسن والموضة،والاحتجاج المنافق أحيانا.

ارحلن الى قلوب الريفيات،على أن تتأبطن الأرشيف النسوي لمعارك الريف ضد المستعمر.

أختم بالتأكيد على أن الريف ،عبر تاريخه الحديث،لم يشهد نوازل تُحل بسرعة ،عسكريا وأمنيا، بل نواهل ترتوي من تاريخ قديم من الأنفة والعزة  ؛تاريخ لا يجب أن توكل مخرجاته للأمن الأمني فقط؛بل للأمن النفسي،الثقافي،التاريخي،الاقتصادي.

رحبوا بالريف رافعة للديمقراطية ،والانضباط للقانون ،في الوطن كله ؛وان لم تفعلوا فستموت الجميلة ،ولن يعمر غير الوحش في ربوع رآها الملك منارة للمتوسط،وهي اليوم منارة للمواطنين المقهورين،الذين لم يبق لهم إلا النظر صوب الملك،طلبا لإنصاف عجزت عنه الحكومات والمؤسسات.

Sidizekri.blogvie.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



الريف:الزعيم بيد القضاء،والحراك بيد الملك

1 06 2017

               الريف:   الزعيم بيد القضاء،والحراك بيد الملك

                               رمضان مصباح الإدريسي

 

 

هل الزفزافي ذئب جهادي؟

هكذا تساءلت في ختام الحلقة الأولى ،من الموضوع.في حلقة اليوم أجدني مضطرا إلى إخلاف الوعد مع القراء؛لأن القضاء ” اختطف” قيادة الحراك من بين يدي البحث السياسي ،الأكاديمي  والصحفي،ليحيله على البحث القضائي الذي يقتضي أقصى درجات الموضوعية والحياد؛كما يقتضي توقف جميع أشكال التدخل ،أو الضغط،أو التوجيه؛اعتبارا لكون القضية ذات زخم قوي ،وطنيا ودوليا.

هذا من جهة ،ومن جهة أخرى ،فان الزفزافي بتدشينه لحراك المساجد،في “غزوة الجمعة” ،والتسمية المتداولة تمتح من القاموس الجهادي المعروف ،أقام الدليل على أهمية ،وربما أولوية،الديني – عن قصد وإصرار- في خطابه المطلبي؛  كما افترضت في الحلقة الأولى.

وعليه فقد باشر – قاصدا، أو مندفعا فقط ،أو مُوَرَّطا- وهو يختطف الإمامة من الإمام المنصب رسميا، اقتحام فضاء محفوظ لإمارة المؤمنين ؛بعد أن أوغل ، على مدى سبعة أشهر، في منازلة الدولة في الفضاء العام المحفوظ لها .

لن يكون العمل القضائي - هنا  - سهلا،لأن الفضاء الديني،كما عودنا، لم يكن محايدا  سياسيا، وقت اختطاف الإمامة،بل اختار المجادلة في الحراك،مُبادئا ؛ ولأن احتلال الفضاء العام – حراكيا – لا يجرمه القانون ،ما دام يتم في إطاره ،وتحت عنوان الحقوق والحريات.

كم أتمنى ،صادقا، ألا يُضطر البحث القضائي  إلى الدخول في سياقات أخرى ،غير ما هو ظاهر؛ سياقات يحضر فيها الخارج  المناوئ لسكينة الوطن؛محرضا على الانفصال – حسب رأي أحزاب الأغلبية،المتراجع عنه حكوميا- أو مستنبتا لخطاب ديني  جهادي في الريف – سني ,أو حتى شيعي- لأننا ،ومهما اشتد الضيق والحرج،إزاء مواطنين مغاربة ،شباب،نربأ بهم أن يقعوا في كل هذا الزلل ،الثقيل الجزاء.

ما هو مؤكد الآن أن القيادة/القيادات المعتقلة توجد  بيد الدولة ،من خلال واجهتها القضائية المدنية،وليس العسكرية.

ومما يفتح للضوء كُوة  في المشهد الريفي كون هذه القيادات – حتى في حالة التشديد، لثبوت التأطير الخارجي،لا قدر الله – خفيفة الكاهل ،ولم تصل بعد إلى اختراق الخطوط الحمراء ،وبلوغ مرحلة اللاعودة ،واللامراجعة.

 ولعل هذا من ايجابيات مسارعة الدولة إلى الاعتقال القانوني؛ وهي الايجابيات التي لا يلتفت إليها أحد من هؤلاء الذين يهوون الركوب على الأزمات،والجِمال العرجاء.

أستثني هنا الاحتجاجات العفوية  للمواطنين في بعض المدن المغربية،وحتى الأوروبية؛ التي أراها  مطلوبة في خضم الدينامية الديمقراطية السلمية، التي يتسع هامشها في وطننا يوما بعد يوم؛رغم أننا أميل إلى عدم الاعتراف بهذا.

حتى التاريخ يشهد بكون الأجيال التي تعاقبت في هذا الوطن  المقاتل، تشبعت بتربية الثغر،المحرضة على الفروسية و اليقظة الدائمة ،لمواجهة الأخطار المحدقة،من كل الجهات؛ فكيف نتضايق اليوم ونحن نرى المواطنين في حراكات سلمية  متواصلة ،لانتزاع الحقوق ؛خصوصا حينما تترسخ لديهم ثقافة الواجبات؟

إن درس الحرية المشروطة والمسؤولة,هو أقوى درس في مدرسة الديمقراطية  الغربية،التي نفاخر ،ونحن المقيدون بالنص القرآني الملزم،و الراسخ كجبل،بكوننا من تلامذتها ؛مهما يكن المستوى الذي ينتظمنا فيها.

شئنا أم أبينا سنتدرج ،دولة ومواطنين ،عبر مستويات الديمقراطية كلها ؛كما يفرض المحيط الدولي،الملزم بدوره .

ومن هنا يجب ألا نخاف من جرعات الحرية ،الآخذة في التسارع ؛خصوصا على مستوى الشباب ؛وشباب الريف بالخصوص ،باعتباره الأقرب إلى المدرسة الديمقراطية الأوروبية ،التي تحتل فيها “الدياسبورا ” الريفية مواقع متميزة.

هذا ما يفسر ثورة الحراك في وجه جميع الأحزاب السياسية ؛في سابقة وطنية لم تحدث في أي جهة من الجهات الأخرى.

وهذا ما يفسر ،في نظري، الإزراء حتى بأقوياء حكومة العثماني ؛وهم بين ظهراني المجال الريفي المضطرب،وبحقيبة مالية منتصبة للبناء والتنمية.

 لقد تتبعت كيف تعامل بعض الطلبة والمواطنين ،مع السادة الوزراء،لفتيت،حصاد،وأخنوش؛ وأدركت أن جيلا جديدا من المواطنين ،ومطالب المواطنة،استهل صارخا ،كما يقول الفقهاء.

وقارنت بين السلوك الأمني للدولة ،وهي تحرك قواتها العمومية ،عبر قوافل تترى من الشاحنات؛تنخلع لها ،رعبا، حتى ذئاب الريف وثعالبه ،فبدا لي أن اختلالات ما حاصلة على مستوى تدبير الدولة؛اختلالات جعلتها لا تساير نضج المواطنة،ونشوة الحرية التي يقصفنا بها العالم يوميا ،عبر الشابكة.

في وجود مرجعية58/59 لا تتصوروا أن ينظر الحراك إلى جحافل القوة نظرة عادية ،يفرضها حق الدولة في صيانة أمن الناس ومجالهم؛خصوصا في وجود قوات أجنبية متربصة عن قرب.

الحراك الآن بيد الملك:

مادامت الحكومة مترددة بين الاقتناع و الإقناع بشبهة الانفصال (أحزاب الأغلبية) ، والإقرار بمشروعية المطالب  الاقتصادية والاجتماعية ؛و مترددة أيضا ما بين الدفع بفضيلة الحوار ،و النأي بالنفس عن مجالسة قيادات الحراك.

الحراك بيد الملك مادام الضامن لسير المؤسسات ،وصيانة بيضة الوطن.

الحراك بيد الملك ،مادام قد تجاوز الحومة والمدينة إلى الجهة ،وجهات أخرى.

الحراك بيد الملك،مادامت قيادته الأصلية معتقلة ،وخاضعة لحراك القضاء.

وأخيرا فان الحراك بيد الملك ،ما دام أهل الريف جاهروا ،عبر مسيرة الربع مليون الأخيرة –وهي مرشحة لزيادات أخرى جهوية ووطنية- بألا مطمح لهم في انفصال مستحيل ،عدا أقلية لا تمثيلية لها.

كل ظروف نجاح التدخل الملكي متوفرة ،هنا والآن، ما دام الحراك ؛وان أزرى بالحكومة والأحزاب ،حفظ للملك سمو مكانته ،وحقه الدستوري في التوقير؛وهذا يشكل ثروة حقيقية للمؤسسة الملكية.

بل أصر شباب الريف ،إذ انهارت المؤسسات في نظرهم، على تبعيتهم المباشرة للملك ؛وهذا يتضمن ترحيبهم بكل تفاصيل التدخل الملكي ؛ليس المتوقعة فقط ،بل حتى التي تبلورت على شكل مشاريع ملكية،تَجُب ما قبلها من تهميش؛لكن اللوبيات مع الأسف تعاورتها بالناب والمخلب ،حتى حولتها إلى عظام نخرة. وأدلي هنا بالمستشفى الأونكلوجي الشبح ،الذي تُقر جهات عليا بالوطن بأنه موجود ،ويصر الواقع على أن سرطانات الريف لا تزال تختطف الحياة ،مواصلة غطرسة القوات الاسبانية ،ذات قصف كيماوي.

لا أدفع هنا،فقط، بضرورة إيقاف الملك للحراك ،بالاستجابة لمطالبه ؛فهذا لا يتطلب غير أمر ملكي ؛بل أتصور أن يُقرأ الحراك قراءة وطنية عميقة،تحدد في النهاية ما الذي يجب أن يتوقف في الحراك ، وما الذي يجب أن نحافظ عليه كمكسب ديمقراطي؟

لقد توالت الخطب الملكية المدينة للفساد ، ولتسلط الإدارة؛ولم يحصل أن تشكلت جبهة وطنية ،بكل زخم الحراك الوطني الحالي، لمساندة الإدانة الملكية،وتنزيلها ثورة حتى النصر النهائي ،ضد كل هذا التسيب الذي لا يوقر حتى مشاريع الملك.

أنا مقتنع أن أشياء كثيرة ستتحق للوطن إن مدت الملكية الآن يدها لحراك الوطن ،وليس الريف فقط.

كيف؟ 

    هذا مجال محفوظ للملك ،لأنه الآن حاضر قضائيا في الحراك؛ولا شك أن بين يديه من التقارير ،ما لا نعلم كنهه واشتغاله.

حفظ الله الوطن ،وحفظ الملك ،وحفظ الحراك من الانتهازيين والمتربصين.

Sidizekri.blogvie.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



(1)الزفزافي وقميص مولاي محند

24 05 2017

                         الزفزافي وقميص مولاي مُحند

                                     -1-

                               رمضان مصباح الإدريسي

 

تقديم:

في معركة صفين ،بين على بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ؛أشار الداهية عمرو بن العاص على معاوية - لما بدا له تلكؤ في إقبال جيشه على النزال- أن يُظهر للناس   قميص عثمان الذي قُتل فيه  ؛حيث آثار الدم شاهدة على الجريمة السياسية النكراء التي يُتهم فيها الإمام علي؛ارتقاء إلى التدبير المباشر ،عند البعض ،ونزولا إلى حد الحياد فقط ،وعدم النجدة،عند البعض الآخر.

 وكما قدر من يُعتبر من دُهاة العرب،من عيار معاوية إياه؛شهق الناس وانتحبوا لذكرى ذي النورين ،وانهدوا صوب خصومهم وكأنهم جبال زلزلت..

وجرى هذا القميص مثلا،لكل مناد بأمر ،ركوبا على أمر آخر؛لأن ما كان يهم معاوية ،ليس الثأر لدم الخليفة ،وإنما الوصول إلى الخلافة؛وقد تأتى له ذلك..

وماذا عن قميص الخطابي؟

(أحب أن أؤكد لكل قادة حراك الريف أن قلمي لن يكون أبدا الا في خدمة الوطن.لقد انتصرت في مقالاتي السابقة للحراك ،ولذاكرة الريف، ولريف “الدياسبورا” ،خدمة للمصالح العليا لوطن ،أكاد أصلي بأناشيده.  موضوعي هذا لا يشذ عن هذه القاعدة ،واني أعتبر كل طعن في وضوح نضالي مجرد تهافت ؛ ولن يقنعني أحد بأن الريف للريفيين فقط؛نكلهم لأنفسهم ،ونتفرج عليهم وهم يساقون الى مستقبل غامض .

ولا خير في أقلام ،وأصوات، أراها تبيع الوهم لشباب الريف ؛لتنفض من حولهم وتتركهم للمجهول.   لا لست بائعا للوهم ،بل طاردا له من أذهان شباب غفل ،يدفعون صوب رفض كل شيء ،وكل المؤسسات،ورفض حتى تلبية المطالب ..)

                                ******

رغم أن ناصر الزفزافي ،وهو الشاب الملتحي،وجها ولغة-  على غرار نسبة مهمة من وجوه الحراك - يُلَوِّح في خطابه  بعدة أقمصة مهيجة ، وليس قميصا واحدا فقط ،ومنها:

 أحداث 58/59، ظهير العسكرة،الحكرة؛ثم دم محسن فكري ،رحمه الله ،فان الرداء الكبير الذي يغلف به كل التفاصيل الحِراكية هو قميص  الصنديد “مولاي محند” (رضي الله عنه وأرضاه)،كما يكرر ،دون ملل، وفي تلوين جديد لتاريخ الرجل القتالي ضد المستعمر الاسباني.

بهذا الرضى الإلهي  والإرضاء ،وقد أفردهما علماء المسلمين وعامتهم- توقيرا وتمييزا- لصحابة الرسول ،صلى الله عليه وسلم،يسعى ناصر الزفزافي إلى إنتاج خطاب ريفي جديد،يتجاوز كل تفاصيل السيرة التي عُرف بها الخطابي السياسي والوطني  ،إلى خَطَّابي آخر  جهادي؛بالمعنى المتداول اليوم.

 وبالمعنى الذي يوحي بأن هناك رسالة خَطَّابية جهادية ،واجبة المواصلة.

طبعا أنا لا أنكر أن عبد الكريم الخطابي ،الصحفي ،والقاضي بمليلية،لدى الأسبان،ثم المقاوم الثائر ،في ما بعد؛كان يستند حتى إلى الدين في استنهاض القبائل - وقد كان هذا ضروريا ،وجاريا على ألسنة كل السياسيين وقتها،اعتبارا لتدين المغاربة ،ولغة الوقت – لكن  الرجل لم يعرف عنه أبدا ، في مقاومته،أنه حمل  - مُعلِنا - لواء جهاد المسلمين ضد الصليبيين؛بل حمل  لواء المقاومة الريفية ضد المستعمر الاسباني ،وفي ما بعد حليفه الفرنسي.

(يذكر الأرشيف الكولونيالي الفرنسي أن استسلام الخطابي للجيش الفرنسي سبقه تحرير ألأسرى الفرنسيين ،وإلباسهم ،ثم احتفال شمبانيا لفائدة الضباط الفرنسيين.ومما يؤكد جو الود الذي ساد بين الطرفين ، صدور الأمر اليومي  العسكري ،الذي تمت به تحية البطل الأسير في تركيست،ثم خفرموكبه، معززا مكرما)

وحتى حينما استتب له أمر الريف المقاوم ،ودحر عرمرم  القوات الاسبانية ؛أعلنها جمهوية ريفية،بهيكلة وقوانين مدنية؛وحتى براية لا رمز فيها قويا  للجهاد الديني .

وعليه فهو  لم يؤسس إمارة دينية ،بل جمهورية مدنية. لو أرادها إمارة جهادية- كما يحاول اليوم “معاوية” الحراك الريفي أن يفصل للخطابي قميصا جديدا – لما استطاع أحد منعه.

يتعزز هذا السعي من طرف الزفزافي – وأنا أشك أن يكون من إبداعه فقط،لطراوة عوده ،وقلة بضاعته الدينية والسياسية  - باستثمار مفرط لنصوص قرآنية منتقاة بعناية.

وكل من يعرف الريف العميق ،وليس بحر الحسيمة فقط وسردينه الشهي ، لا يمكن أن ينكر أن الزفزافي ظاهرة تواصلية ريفية متفوقة حتى على كل مؤسسات الدولة مجتمعة،وكل فعاليات المجتمع المدني الحقيقية والمخدومة.

ورغم أن لكل واحد ظروف ظهوره ،وأسلوب اشتغاله؛فاني أرى ألا صنو له عدا الخطابي نفسه. بقدرما أفلح الخطابي في استنهاض جبهة قبائلية ،فلاحية،مستسلمة للمستعمر ،بقدرما استطاع الزفزافي إيصال خطابه لساكنة الريف كلها – حاضرة وبوادي- إضافة إلى استمالة باقي المواطنين في الجهات الأخرى.

أما عن “الدياسبورا” الريفية  في الاتحاد الأوروبي ،فقد فوجئت به وهو يقتحم ، عبر الواتساب،نشاطا تواصليا لها بمدريد؛ليوجه المحاضرين والمتدخلين صوب نقاش الملف المطلبي المعتمد من طرفه ،وليس نقاش مطلب الحكم الذاتي.

  فعلا تحول الحضور،وضمنهم أطر عليا ، إلى مجرد آذان صاغية لصوت الرئيس ،القادم من الريف.

من يكون ناصر الزفزافي؟

*هل هو فقط – كما يرى البعض - قيادي شاب ،نصبه  الحراك  زعيما ،لأنه “جهل فوق جهل الجاهلين”- كما يقول الشاعر العربي- لمقتل محسن فكري.تجلت بداية التنصيب في خطبته “العصماء” التي واجه بها ،في حَمَّارة الغضب ،الوالي السيد اليعقوبي،الأمازيغي  اليزناسني.

ثم توالت خطبه الملتحية ،أولا، والسياسية ثانيا ،والحقوقية ثالثا. وعلى غرار مقصلة الثورة الفرنسية ،قطع هذا الشاب أعناق باقي القيادات الحراكية؛رافعا سقف المواجهة إلى حد  تخوين كل الأصوات التي تعارضه.

*هل هو “روكي” آخر ،يستغل الظروف الإدارية،الاقتصادية،والسياسية  القاهرة للريف ،وعينه على إنهاك المؤسسة الملكية – المنشغلة أصلا بحدودنا الجنوبية-الضامنة لوحدة الوطن الجغرافية ،ولحمته التاريخية والقيمية،والساهرة على استكمال بناء المؤسسات ،وترسيخ الديمقراطية.

لمثل هذا المسعى اتجه  الروكي”بوحمارة”، في مستهل القرن العشرين، صوب قبائل الشرق ،وصولا إلى مشارف الريف ؛ولو لم يستعص عليه لكان مسار التاريخ المغربي  اتخذ وجهة أخرى .

 في لحظة حماس متهور جاهر الزفزافي – بكل فروسية - بأن نزاله مع الملك محمد السادس؛أسرا أو اعتقالا أو قتلا.

في خطابه الذي يرد فيه على نهج الحكومة في الاستجابة للحراك- بأوامر ملكية- وبميزانية ضخمة،مثيرة لغيرة الجهات الوطنية الأخرى الفقيرة، و التي لم تتحرك، يهد الزفزافي  كل أركان المؤسسات؛ويجعل القلب النابض للحكومة ،وأغلب خلجاته ريفية ،قلبا وقالبا، مجرد بلطجية مسخرين  لنسف الحراك المبارك (هكذا ينعته) ، ونضال “الحرائر والأحرار “؛وهذه نعوته التي يحب؛إصرارا منه على نهجه الجهادي التطهيري للريف.

أنا لا افهم كيف ترفع بيد ملفا مطلبيا ،بحاجة إلى وزراء ومؤسسات رسمية للاستجابة له ،وتنزيله معمارا وأطرا واشتغالا ؛ وفي نفس الوقت تهدم بمعاولك كل  مؤسسات  الدولة ،وتسفه وتضعف كل رموزها وأطرها،وحتى مثقفيها .

يا أخي لو تنادينا لقتال أعدائنا ،فأين ستصطف القوة العمومية والدرك الحربي ،وغيرهما؟ هؤلاء الذين لا ترى فيهم غير البطش بالريف؟ مع من ستصطف أنت،ما دمت لا تراهم حماة للأمن؟ من سيموت من أجل حماية حتى الريف ،لا قدر الله؟

مع من يريد الزعيم  أن يشتغل؟   مع من يريد أن  يتحاور؟ لقد أسلم لك الحراك قياده ،ورددت – موفقا -على كل تُهم الانفصال التي خاطرتْ بها،متسرعة، حكومة العثماني ؛فما حجتك اليوم ،وأنت توجه الحراك – ضمنيا- صوب مطالب أخرى ،ظهر منها اليوم  مطلب   الاعتذار.

كل الجهات الفقيرة بالمملكة  تنتظر ولو عشر العشرة ملايير المخصصة حاليا للريف، لتحتفي بالحكومة ،بموازين الشكر الراقصة؛فكيف تستبدل أيها الزعيم الذي  هو خير،بالذي هو أدنى؟   ماذا يعني الاعتذار في لغة الاقتصاد؟

يا بني ،أو يا حفيدي- اعتبارا لعمري وعمرك- سَفِّه الحكومة كما تشاء ،وابغضها كما تشاء – فقراء المغرب كلهم لا يحبونها- لكن كن واثقا ألا وجود لمستثمر أحمق يلقي بماله في جغرافية سائبة، لا مؤسسات قوية بها ، ولا أمن ولا اطمئنان بها.

” واذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات”- البقرة126-  كما استشهد الأستاذ مصطفى بنحمزة ،في معرض حديثه عن ارتباط التنمية بالاستقرار والأمن والأمان.

أنت تعرف هذا،وأدعوك لتسطر على “آمنا”؛ فلماذا لا توجه الحراك إلا صوب العصيان والرفض؟

هل الزفزافي ذئب جهادي أيقظه الحراك؟

يتبع

Sidizekri.blogvie.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



الديبلوماسية الجزائرية تنتقل الى السرعة البغلية

19 05 2017

               

                           رمضان مصباح الإدريسي

 

“عَدَس”،اسم فعل أمر لزجر البغل؛هكذا تواضعت العرب،ودَوَّن النحاة،حينما يكون المخاطب بَغلا نافرا لا تأمن أن يُذيقك من حوافره ،حتى وأنت تذيقه من حَبِّك وتِبنك.

وقد اختاروا للخيل ؛والخير معقود في نواصيها ،كما يقول الإمام علي كرم الله وجهه، اسم فعل أمر في غاية  الجمالية والحميمية:  ” هَلاَ “  ولا عليك أن تخاطب بها حتى حبيبك؛مهما كان إعرابها ،لأن جرسها واحد:

        هَلاَ سألت الخيل يا ابنة مالك*** إن كنت جاهلة بما لم تعلمي

                                                              عنترة العبسي

ومعذرة للقراء ،وللإنسانية كلها – وحتى للبغال-  إن أنا زجرت البغل الديبوماسي الجزائري ،الذي أسقط أرضا ،يوم 15 ماي ،نائب سفيرنا في جزر الكريبي ؛خلال اجتماع اللجنة الأممية24،المشتغلة على تصفية الاستعمار.

عَدَسْ أيها الديبلوماسي البغلي:

وان تراني أكثرت عليك بلسان العرب الذي لا تفهم – وما أنت بفاهم حتى لسان الحيوان والطير – أستعمل معك  لغة الحمير ؛ومعذرة لها بدورها ،إذ أقحمتك معها وهي غير راضية : ” اشَّا،أيها الديبلوماسي الركال الرفاس ..

وما ترى لي من لغة غير ما تسمع؟   وأنا أراك تمتشق ساقيك - حينما يتنادى الناس لمقارعة الفكر بالفكر ،والحجة بأختها-  وتركل سفيرا لنا ؛ما درى أنه سيقابلك صباحئذ؛وإلا كان تزود بما تعلم ،وبما  يُشهيك ويُنهقك ،ويجعلك سيد البغال سعادة.

عدس أيها الرجل الثالث في وزارته؛ولا أعلم حال الأول والثاني؛من أي قبيل هما؟

ولا أعلم هل أنت أفضل أعوادهما ،إذ عجماها . إن كانا علما ببغليتك فمصيبة ،أن تمثل الجزائر في محفل أممي ،وان لم يكونا عَلِما فالمصيبة أعظم.

كيف؟ وزير بأنوف متعددة ،ولا يشم رائحة الاصطبل في جواره؟

عَدَس أيها الضيف الأممي الذي ما درت هيئة الأمم ،من أي فصيل هو ،وإلا كانت استعدت وتزودت ،وألبست ضيوفها ما يقيهم شَرَّ حوافراك.

عدس، أيها الملتبس أمره ،بين بني الإنسان وسلالة البغال.

لعل هند بنت النعمان عنتك أيضا،حينما سخرت من زوجها الحجاج ،الذي لم تره  كفؤا لها و لجمالها و لمنبتها:

  وما هند إلا مُهرة عربية     ***          سليلة أفراس تحَللها بغل

فان جاءت بمُهر فلله درها *** وان جاءت به بغلا فمن ذلك البغل

لا أراك أيها الركال إلا في الخيار الثاني ،دون أن يكون والدك هو الحجاج،لأن الرجل وان بطش لم يكن رفاسا.

عدس يا سفير بلاده،فأنت في محفل أممي:

يتعلم منه السفراء والوزراء والرؤساء،أصول الدبلوماسية الأممية ،كما تؤطرها مدارس عالمية؛ فمن أي مدرسة أنت يارجل؟

عرضتك حتى على التاريخ الديبلوماسي لفقيد الديبوماسية والفكر ،المرحوم عبد الهادي التازي ؛فلم أجد ذكرا لأمثالك حتى حينما كان السفراء يركبون البغال فقط في مهامهم.

كانت بينهم وبين البغال علاقة ركوب فقط؛  فكيف عمقت أنت العلاقة حتى تَبغلت طُرا؟

ومهما يكن من أمرك ،ومن أمر مصيرك الأممي والجزائري ،فإنني لا أتصورك إلا معبرا عن إحباط كبير أصاب دولتك ؛بعد أن فقدت كل أمل لها في مواصلة تسويق سلاحفها وثعابينها وغربانها ؛ وهاهي ذي تُبغل ديبوماسيتها ..

يُذكرني هذا بما رواه الشاذلي بن جديد ،رحمه الله، حينما استقبل المرحوم الحسن الثاني ،وهو مرفوق بولي العهد وأخيه رشيد:

يبادئ الحسن الثاني بالقول: ها أنا مع دلافيني ..

يجيبه الشاذلي : وها أنا مع قروشي..ثم يشير إلى جنرالاته المسنين .

رحمك الله ؛وما أخالك إلا كنت ستقدم سفيرك الميموني  – لو حضر-  بما يليق به.

وأخيرا عدس ،وهل تفهم غيرها؟

ومعذرة للقراء على لغة لا أحبها ،وما أنطقني بها غير سفيرنا المركول والمرفوس.

لا عليك سيدي فنحن في الثغر من أجل الوطن..

Sidizekri.blogvie.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 







Créer un Blog | Nouveaux blogs | Top Tags | 113 articles | blog Gratuit | Abus?